طفلة نجاة

by | Art by
mina-sayed-770px

متى يعرف الإنسان إسمه؟ وهل لاسمه علاقة بشخصه؟ الإسم هو أشهر عنوان لشخص الإنسان رغم أنه الشي الذي لم يستشار فيه ولم يشارك في اختياره. وكغيري من الناس عرفت منذ مولدي أن إسمي “نجاة”من مخاطبة أهلي به أما معناه فعرفته عندما تعلمت القراءة في المراحل الأولى من عمري عندما كان أبي رحمة الله عليه يضع أمامي عناوين الصحف لأقرأها تدريبا لي على القراءة.

بدأت ألاحظ ان إسمي يتصدر الصفحات في معظم الأيام، مثلا اشتعال حريق في مبنى ونجاة ساكنيه، غرق سفينة صيد تجارية ونجاة طاقمها، انقلاب سيارة ونجاة سائقها بأعجوبة. يا إلهي! فإسمي مصاحب للكوارث والنكبات والمصائب … لا لا انه الأمل والفرح والبشرى إنه النجاة لمن أراد الله تعالى له ذلك وحمدت الله لاختيار والدي هذا الإسم لي.

لإسمي علاقة بحادثة وقعت لي منذ زمن بعيد ولكني أتذكرها الآن وكأنها حدثت البارحة. أنا أعشق البحر وأحب الصيد بالسنارة ولا أعرف السباحة ولكني اقطع المسافات التي تصل فوق خصري مشيا مستندة على عصا غليظة أضغط بها على الارض حتى أحافظ على توازني فلا أسقط من حركة الأمواج (حاولت تعلم السباحة ولكني أخاف من الماء عندما يغمر وجهي).

لدينا إستراحة على البحر وفيها كوبري بطول سبعين مترا تقريبا داخل البحر ينتهي بجلسة كبيرة خشبية نصطاد منها ونستمتع بها بشمس الصباح ونتسامر عليها ليلا تحت ضوء القمر في لياليه البيضاء. أتيت ليلا مع زوجي وأطفالي الثلاثة، أصغرهم رضيع في شهره الأول لقضاء إجازتنا الأسبوعيةبعد غياب لأكثر من ثلاثة أشهر. لم يكن في المكان غيرنا والإضاءة فيه تعتمد على المولّد الكهربائي.

وبكل الشوق للبحر وأمواجه حملت رضيعي في يدي ملفوفا في لفافته الصغيرة وقطعة العجينة والسنارة ومشيت إلى الجلسة الخشبية في آخر الكوبري وتركت طفلي ذو الست سنوات وطفلتي ذات الثلاث سنوات يلعبان حول المكان وأبوهما يراقبهما ويشرف على إنهاء طبخ عشائنا الشعبي، سليق بالدجاج.

أخذت جانبا أرى منه زوجي وطفلي من بعيد وابتعدت قليلا عن الحافة مقدار ثلاثين سنتيمترا ووضعت رضيعي في حجرى، رأسه عند يدي اليمنى، والسعادة تغمر قلبي بعودة حياتي وأسرتي لما أعتدنا عليه، ورميت سنارتي وأنا أتنفس نسيم البحر العليل الذي حمل إلي معه صوت الأغاني التي نحبها تنطلق من المسجل الذي يعمل بالبطارية الجافة لتزيل الوحشة من المكان…

بعد أقل من نصف ساعة رأيت إبني وإبنتي يمشيان على الكوبري في طريقهما إلي مما أقلقني وقطع علي استجمامي القصير. طلبت منهما العودة لأبيهما وأخبرتهما بأنني سأعود إليهم بعد قليل ومعي شي من الأسماك الصغيرة. سمع إبني كلامي وعاد أدراجه أما إبنتي فأصرت أن تجلس بجواري وتشاهد ما اصطاده… جلست عن يساري وطلبت منها أن تبتعد عن الحافة وطبعا تبدلت حالة الإستجمام بالقلق وأنا اطلب منها العودة للخلف وهي تتقدم للأمام وأنا بين مراقبتي لها وبين خيط السنارة أسحبه وأرميه ومراقبة رضيعي في حجري وهو يستغرق في سبات عميق.

الجو جميل فقد انتهى الصيف ودخل فصل الخريف بجدة الجميلة، والمنظر البديع للقمر في لياليه البيضاء يرسل أشعته الفضية على صفحة الماء. فجأة تنكفئ إبنتي على صفح الماء في سرعة لا مثيل لها وبنفس السرعة أمسكت بتنورتها الفضفاضة بيدي اليسرى منحنية انحناء شديدا على الرضيع في حجري، أرى إبنتي ذات الثلاثة أعوام تتأرجح في الهواء فوق سطح الماء، أحاول رفعها وسحبها بيدي اليسرى ويدي اليمنى فوق رضيعي، أصرخ بأعلى صوتي وأنادي على زوجي ولكن ضجيج الموتور والمسجل يحجب صوتي وصرخاتي .. أخاطب ربي.. ربي لا تعطيني واحدا وتأخذ الثاني..إلهي.. ثقل جسمي على رضيعي يقلقني، قريبا ستفلت طفلتي من يدي، ربي أعني،ربي ارحم ضعفي، دقات قلبي تزداد عنفا وخوفا وهلعا. أدخلت يدي اليمنىتحت جسم رضيعي في محاولة لسحبه إلى سطح الجلسة لأستعين بيدي اليمنى في رفع إبنتي، ولكن ثقل جسدي عليه يوشك أن يفصل رأسه عن جسده لو زدت من قوة السحب ورفع جسدي عنه يعني سقوط إبنتي في الماء العميق الذي يقارب المتر والنصف.

وفي هذه اللحظة الحرجة تنفلت ابنتي من قبضتي الضعيفة على غير إرادة مني وهو ما كنت أخشاه، هنا رميت رضيعي جانباً لا أعرف كيف وعيناي على الماء وخرجت ابنتي من الماء واقفة وكأن شخصاً يرفعها وعيناها مفتوحتان بقوة و فمها مفتوحاً وشعرها الأسود ينسدل على جبينها رأيتها للحظة ثم سقطت الى القاع، أمسكت بحافة الكوبري وأنزلت رجلي بالماء بدون أن تلمس قدماي الأرض خوفا من أن أدهسها وأنا أصرخ من الفزع والخوف من الماء وما فيه، رفعها الماء للمرة الثانية وكانت قريبة مني أستطيع إمساكها ولكنها سقطت سريعا الى داخل الماء، وضعت قدماي على الأرض هذه المرة ويداي مفتوحتان انتظرها، ربي أين ابنتي حبيبتي، أين أنت يا روح عمري، لحظات رهيبة أحسست أنها دهرا رفعها الماء للمرة الثالثة وأمسكت بها وأنا لا اصدق أني أمسكتها ورفعتها الى الأعلى وقلبتها فخرج الماء من فمها وأنفها وأعدتهاوحضنتها فلفت ساقيها حول رقبتي ويديها حول رأسي فاستدرت لأمسك بحافة الكوبري لأجلسها عليه ثم أتسلق بعدها ولكنها تصرخ وترفض بشدة أن تتركني، أعيد الصراخ والنداء على زوجي ليساعدني ولكن لا مجيب. بدأت أمشي في البحر متجهة إلى الشاطئ والظلام الدامس يحيط بالماء، أدعس على صخور مؤلمة و أعشاب لزجة ترعبني وأحاول مرارا أن أضعها على الكوبري و أصعد أنا أيضاً و ارتاح من معاناتي و لكنها تصرخ بهستيريا متمسكة برقبتي حتى بلغنا الشاطئ.. هنا رآنا زوجي و ابتسم يظن أننا نلهو مع بعض وأنا أقول له ساعدني أحضر الولد من الكوبري حتى استوعب ما نحن فيه وركض إلى الرضيع الذي لا أدري كيف وضعته هل كسرت رقبته ام هو سليماً..
الحمدلله عاد سليماً وابنتي عندما شعرت بالأمن والأمان بكت واشتكتني لوالدها “ماما رمتني في البحر”،  أشرح لها حبيبتي أنت امتحنتيني وما سمعت كلامي أنا أمسكتك وأنا اخرجتك من البحر فتكرر قولها لا أنت التي رميتيني..
حينها سألتها انت ليه قربتي من الحافة أنا قلت لك خليك بعيدة قالت.. كنت اتفرج على صورة القمر في البحر بعدين دخل تحت الكوبري!!

وعنوان هذه الحادثة دون في ذاكرتي بالخط العريض..”نجاة نجاة وطفلة نجاة.”

Contributors